الزمخشري

163

ربيع الأبرار ونصوص الأخبار

65 - علي رضي اللّه عنه : لقد رأيت عقيلا « 1 » وقد أملق « 2 » ، حتى استماحني من برّكم صاعا ، وما رأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم ، كأنما سودت وجوههم بالعظلم « 3 » ، وعاودني مؤكدا ، وكرر عليّ القول مرددا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظن أني أبيعه ديني ، وأتبع قياده مفارقا طريقتي . فأحميت له حديدة ، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف « 4 » من ألمها ، وكاد أن يحرق من مسها ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجرها « 5 » جبارها لغضبه . أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟ . - وعنه : واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار ، فارحموا نفوسكم فأنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا ، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه ، والعثرة تدميه ، والرمضاء « 6 » تحرقه ، فكيف إذا كان بين طابقين من نار ، ضجيج حجر ، وقرين شيطان . أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبته ، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته . أيها اليفن « 7 » الكبير ، الذي قد

--> ( 1 ) عقيل : هو عقيل بن عبد مناف ( أبي طالب ) بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، كنيته أبو يزيد ، أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها . صحابي بقي على الشرك إلى أن كانت وقعة بدر . وأسلم بعد الحديبية هو أخو الإمام عليّ وجعفر لأبيهما وكان أسنّ منهما . برز اسمه في الجاهلية وكان في قريش أربعة يتحاكم الناس إليهم في المنافرات : عقيل ( صاحب الترجمة ) ومخرمة ، وحويطب ، وأبو جهم . عمي في أواخر أيامه وتوفي في أول أيام يزيد . وقيل : في خلافة معاوية نحو سنة 60 ه . راجع ترجمته في الإصابة ت 5630 . والبيان والتبيين 1 : 174 والأعلام 4 : 242 . ( 2 ) أملق : انفق ماله حتى افتقر . ( 3 ) العظلم : عصارة شجر لونه كالنيل أخضر إلى الكدرة . وليل عظلم : مظلم . ( 4 ) الدنف : المريض المقبل على الموت . ( 5 ) أسجر النار : أوقدها . ( 6 ) الرمضاء : الأرض الحارّة . ( 7 ) اليفن : الشيخ الفاني .